نخبة من الأكاديميين
220
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
اتخذت دول المغرب موقف الدفاع الذي فشل في التصدي للهجمات الإسبانية ، بل اتجه البعض منهم ( دولة بنى زيّان ) إلى التصالح مع إسبانيا واعترفوا باستيلائها على موانئ غرب الجزائر ، كما لم تتوقف التجارة المغاربية الأوروبية « 1 » . ولكن من ناحية أخرى حاول بعض سلاطين المغرب وأمراؤه الاستنجاد بالمماليك ( السلطان الغوري ) ولكنهم لم يلقوا غير ما لقيته الاستنجادات السابقة قبل وبعد سقوط غرناطة . فلقد ضعفت القوة المملوكية في وقت ازداد فيه توجهها نحو الشرق والجنوب مع تزايد الاقتراب العثماني وبداية التهديد الصفوي ومع ظهور الخطر البرتغالي الحبشي ، هذا وكان الملك فرناندو وفي مقابل رسائل سلاطين المغرب للاستنجاد بالمماليك قد عمل على تحسين العلاقات مع المماليك ونجحت سفارته إلى مصر سنة 1501 م في ذلك « 2 » . كذلك لم يتعدَّ رد الفعل العثماني المساندةَ غير المباشرة والتي أخذت شكل مساندة أعمال الجهاد البحري العسكري ضد الإسبان في السواحل الجزائرية « 3 » . وكان يقود هذه الأعمال البحّاران " بابا عروج " و " خير الدين بارباروسا " اللذان أرسيا نفوذهما على حساب بني زيّان ، وتمكنا من طرد الإسبان من بعض المواقع . وانتهت أعمالهما تحت وطأة حملة بحرية إسبانية كبيرة استنجد بها آخر حكام بني زيّان لاسترداد عرشه نتيجة امتداد نفوذ هذيْن البحّارين . وكانت المساندة العثمانية لعمليات الجهاد البحري هذه تمثل الخيط الأول في شبكة علاقات العثمانيين بغرب المتوسط ووسطه والتي امتدت بعد ذلك بعد ضم مصر والشام سنة 1517 م كما سنرى ( في خبرة العصر العثماني ) . هذا ولقد اختلفت الآراء حول دوافع هذا التوجه العثماني : هل هو لإنقاذ مسلمي الأندلس « 4 » أم لمجرد التوسع ولو على حساب الدول الإسلامية الأخرى « 5 » . ( 1 / ب ) الالتفاف البرتغالي من الجنوب وإتمام الحصار حول مصر المملوكية : الكشوف البرتغالية والأثر على التوازن العالمي والإسلامي : من دون الدخول في تفاصيل تطور التوسع البرتغالي في سواحل المغرب الأقصى وغرب أفريقيا « 6 » يمكن القول : إن هذا التوسع كان دؤوبًا ومنتظِمًا ومستمرًا حتى أدى بعد ما يقرب من القرن إلى الكشوف الجغرافية . ولقد عكس هذا التحرك البرتغالي ضد المسلمين الربطَ بين ثلاثة محاور : ابتداء من المساهمة في استرداد الأندلس إلى الالتفاف حول العالم الإسلامي بحرًا والارتكاز على التحالف مع الحبشة لإحكام الحصار حول مصر المملوكية . بعبارة أخرى كان لهذه الحركة البرتغالية دوافعها وأهدافها التي يصب عندها مجمل نتائج التفاعلات بين المسلمين وغيرهم ومجمل ما آلت إليه أحوال توازن القوى الإسلامية ومجمل ما آلت إليه حالة الطرف الأوروبي في نهاية القرن الخامس عشر م وأوائل القرن السادس عشر م . ويكمن منطلق الحديث عن هذه الدوافع والأهداف من فهم ما استجد لدى الطرف الأوروبي من تطورات في نمو موارد الثروة وفي القدرات الصناعية والعسكرية ، والتي لم يقابلها نمو مماثل في كافة أرجاء العالم الإسلامي ؛ وهو الأمر الذي دشن كما يقول المستشرقون بداية نهاية التفوق الحضاري للمسلمين الذي ظل يتمتع به الشرق زهاء ألف عام « 7 » .
--> ( 1 ) - د . فاروق عثمان أباظة : مرجع سابق ، ص ص 95 - 96 . - د . زاهر رياض : مرجع سابق ، ص 56 . ( 2 ) - د ، أحمد الطوخي : المماليك والأندلس ، ص 33 ( نقلًا عن : محمد محيي الدين الأصفر : مقدمة كتاب تاريخ مسلمي الأندلس الموريسكيون ، مرجع سابق ، ص 8 ) . ( 3 ) - أنظر التفاصيل في : - محمد العروسي المطوي : مرجع سابق ، ص ص 266 - 269 . - د . فاروق عثمان أباظة : مرجع سابق ، ص ص 96 - 97 . - John Saunders : op . cit , p . 103 - 104 . ( 4 ) - أنظر على سبيل المثال : - د . فاروق عثمان أباظة : مرجع سابق ، ص 96 . ( 5 ) - أنظر على سبيل المثال : - أمين شاكر ، سعيد العريان ، محمد مصطفى عطا : تركيا والسياسة العربية من خلفاء آل عثمان إلى خلفاء أتاتورك ، دار المعارف ، القاهرة ، 1955 ، ص ص 28 - 32 . ( 6 ) - محمد عبد الله عنان : مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام ، مرجع سابق ، ص ص 303 - 306 . - محمد العروس المطوي : مرجع سابق ، ص ص 263 - 264 . - د . مصطفى رمضان : مرجع سابق ، ص ص 65 - 44 . ( 7 ) - ف . بارتولد : مرجع سابق ، ص ص 111 - 112 .